ابراهيم بن عمر البقاعي

275

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

حسنات فضلا منه سبحانه ، فكان كل من القسمين مطيعا في جميع زمانه ، نزع الجارّ فقال : قَبْلَ ذلِكَ أي في دار العمل ، وقيل : أخذوا ما فرض عليهم بغاية القبول لأنهم كانوا قبل فرض الفرائض يعملون على المحبة وهو معنى مُحْسِنِينَ * أي في معاملة الخالق والخلائق ، يعبدون اللّه كأنهم يرونه ، ثم فسر إحسانهم معبرا عنه بما هو في غاية المبالغة بقوله : كانُوا أي لما عندهم من الإجلال له والحب فيه بحيث كأنهم مطبوعون عليه ، ولغاية التأكيد وقع الإسناد إليهم مرتين قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ الذي هو وقت الراحات وقضاء الشهوات ، وأكد المعنى بإثبات « ما » فقال : ما يَهْجَعُونَ * أي يفعلون الهجوع وهو النوم الخفيف القليل ، فما ظنك بما فوقه لأن الجملة تثبت هجوعهم وهو النوم للراحة ، وكسر التعب وما ينفيه ، وذكر الليل لتحقق المعنى فإن الهجوع النوم ليلا ، فالمعنى أنهم يحيون أكثر الليل وينامون أقله . ولما كان المحسن لا يرى نفسه إلا مقصرا ، قال دالّا على ذلك وعلى أن تهجدهم يتصل بآخر الليل مؤكدا بالإسناد مرتين أيضا : وَبِالْأَسْحارِ قال ابن زيد : السحر : السدس الأخير من الليل هُمْ أي دائما بظواهرهم وبواطنهم يَسْتَغْفِرُونَ * أي يعدون مع هذا الاجتهاد أنفسهم مذنبين ويسألون غفران ذنوبهم لوفور علمهم باللّه وأنهم لا يقدرون على أن يقدروه حق قدره وإن اجتهدوا لقول سيد الخلق « لا أحصي ثناء عليك » « 1 » وإبراز الضمير دال على أن غيرهم لو فعل هذا ليلة لأعجب بنفسه ورأى أنه لا أحد أفضل منه ، وعلى أن استغفارهم في الكثرة يقتضي أنهم يكونون بحيث يظن أنهم أحق بالتذلل من المصرين على المعاصي ، فإن استغفارهم ذلك على بصيرة لأنهم نظروا ما له سبحانه في الآفاق وفي أنفسهم من الآيات والحكم البالغة التي لا تحصى فعلموا أنه أهل لأن يطاع ويخشى فاجتهدوا وتركوا الهجوع ، وأجروا الدموع ، ثم قابلوا ذلك بنعمه فإذا الأعمال في غاية التقصير فأقبلوا على الاستغفار عالمين بأنه لا يمكن أن يقدر حق قدره . [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 19 إلى 25 ] وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ( 19 ) وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ( 20 ) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 21 ) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ( 22 ) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ( 23 ) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ( 24 ) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ( 25 ) ولما ذكر معاملتهم للخالق ، أتبعه المعاملة للخلائق تكميلا لحقيقة الإحسان فقال :

--> ( 1 ) أخرجه مسلم 486 وأبو داود 879 والنسائي 1 / 102 - 103 وعبد الرزاق 2881 وأحمد 6 / 58 وابن حبان 1932 كلهم عن حديث عائشة بأتم منه .